إدريس أحمد
hamada.d.1968@gmail.com
Blog Contributor since:
11 June 2019



Arab Times Blogs
لا للحجر على الفكر و مصادرته بإسم الدين !

"لا أبالي إن كنت في جانب و الجميع في جانب آخر، و لا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم. و لا أجزع إن خذلني من يؤمن بما أقول. و لا أفزع إن هاجمني من يفزع لما أقول. و إنما يؤرقني أشد الأرق، أن لا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت. فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح. أخاطب أنصار المبدأ لا محترفي المزايدة. و قُصَّاد الحق لا طالبي السلطان. و أنصار الحكمة لا محبي الحكم." (المفكر المصري فرج فودة، الذي أُزهقت نفسه غيلةً أمام مكتبه عام 1992 تنفيذاً لِفَتوى حكمت بِرِدَّتِه عن الإسلام، في كتابه "قبل السقوط" الصادر سنة 1984)

 

عندما سُئل من طرف القاضي أثناء محاكمته عن سبب اختيار موعد الإغتيال قُبَيْل عيد الأضحى، قاتل هذا الرجل أعطى جواباً مستفِزاً أنا أعتبره أبلغ دليل على مدى لاإنسانية أيديوليجيات التأسلُم : "لكي أُحرق قلب أهله عليه أكثر و أُطفئ فرحتهم بالعيد."

 

لأجل ذلك فكَّرت ملِياً و درست بعمق و تجرُّد موضوع الردة إلى أن أُلهمت فيه كلاماً سبق أن نشرته و هو :

 

 

 

لماذا يرفض مشايخنا حرية المعتقد المؤكَّد عليها مراراً و تكراراً في القرآن الكريم ؟

 

 

حتى اليوم ما زال العديد مِن شيوخِنا يسعون جاهدين لإخماد أصوات و أنفاس مَن يرون أنهم إرتدُّوا عن الإسلام، و هم الذين طعنوا هذا الدين في الصَّميم و خانوا رسالتَه و برهنوا لنا عملياً أنهم في الدَّرك الأسفل مِن الإنحِطاط : و الله هم المُرتدُّون - منذ أن حكموا على العقل في ديارنا بالإعدام - و لكنْ لا يشعرون ! و لا يدري أيضاً هؤلاء الفرحون بِما هم عليه أنهم عُبَّاد أوثان، هي أخطر بكثير جداً على مستوى عَوَاقِب تقديسها مِن الحَجَريَّة، فغالِبيَّة آلام البشر و حتى الحيوانات سببُها هذا النوعُ مِن الشِّرك، أوثانٍ فكرية لا يبغون عنها حِوَلاً و لا يقبلون أي نقاش بِشأنها. كفَّروا مبدعين نجباء لهم دَوْر في تنوير العقول و ما كفَّروا البتَّة مجرمين لا يحسنون سوى قطع الرؤوس

 

أقول لهم : قبل أنْ يحكُم أحدُكم بضلال أو كفر شخصٍ لا يُوَافِقُه الرأي، مِمَّا قد يؤدي لإزهاق روح هذا الأخير أو على الأقل تعريضِه لِلنَّبذ الإجتماعي على المُسْتَوَيَيْنِ الرَّسمي و الشعبي، هل لديه الجُرأة لِيُقسِم اليمين بأنَّ مُنزِّل القرآن يُوَافِقُه الرأي ؟ هل يجرؤ على القَسَم بأن مفهومَ الخالق للدين و مفهومَه هو متماثلان متطابقان ؟ لَئِن كان البعض مِن أفراد الأمة و أبنائها قد كفر، فبأفكار و تصوُّرات و مواقف هؤلاء المشايخ الذين نصَّبوا نفوسَهم شرطة لِلأفكار، كَفَرَ بكل هذا لا بِحقيقةٍ جَلِيَّة ساطعة مِثل الشمس. فللأسف ما زال الكثير من محترفي المَشْيَخة الدينية عندنا أسرى أفكار و رؤى ضيِّقة، لا يألون جهداً لِفرضها فرضاً على المجتمع، و هي في حقيقة الأمر و بِدون مبالغة مصدرُ جزءٍ كبير مِمَّا نحن فيه من بُؤس و شدَّة.

 

في السِّياق ذاته تجدر الإشارة إلى أن هناك مَن صرَّح دونما مُواربة بكفره التام بالدين نفسه، و لكنْ بالدين الذي سمعه مِن سَدَنَتِه و أحباره و المتحدِّثين بإسمه و ما تلقَّاه مباشرة عن الله

 

كفى تبديداً للطاقات و إهداراً للأوقات في غير طائل، كفى جدلاً عقيماً لا فائدة تُرجى مِنه، كفى سعياً و جرياً وراء أشياء ليست أكثر من سراب. فَمِن غير إعادةِ نظر و إصلاحٍ جذري لِلمنظومة الفِكرية و القِيَمية لهذا الدين، و بَوَادِرُ ما سَأُعلِنه تلوح في الأفق، فإنه سيأتي لا محالة يوم لا أخالُه بعيداً يخرج فيه الناس أفواجاً من هذا الدين. سيقول البعض بأن صاحب الحَوْل و الطَّوْل قد تكفَّل بِحفظ القرآن، و هذا أمر صحيح و أكيد بالنسبة لِكُل من يعتقد بربانية مصدر القرآن، لكِنْ ليس في عِلمي أنه تعهَّد بِنقاوةٍ أبدية للدين المُنبثِق عن القرآن… فلطالما سمِعتُ على لسان الأئمة و الوُعَّاظ أن النبي تركنا على مَحجَّة بَيْضاء لَيْلُها كنهارِها لا يَزيغُ عنها إلاَّ هالك، لكِنْ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ أﺠﺪ أنهم أوَّلُ من حاد عن نهج النبي الذي لا زالوا حتى يومِنا هذا ينسبون إليه هذه المقولة المُنكَرة : "من بدَّل دينه فاقتُلوه".

 

أبو جهل هو مَن عذَّب إمرأة بِوَحشِية بالغة ثُم قتلها لأنها بدَّلت دينَها، كما اضطهد و آذى و تفنَّن في التنكيل بآخرين مِن بني قومِه لأنهم أيضاً - بِكامل إرادتهم و وعيهم و اختيارهم ـ قرَّروا الإرتِداد عن مِلَّة وَرِثوها عن آبائهم و اعتناقَ فلسفةِ حياة جديدة، الشخص المذكور و أشباهُه هم فقط مَن يَصدُر مِنهم أمر بالفتك كهذا. مقولة تهدم و تنسِفُ كماً هائلاً مِن آيات القرآن البَيِّنات، لَعَلَّ في مقدِّمتِها هذه : "لا إكراه في الدين"، و مع ذلك تُنسب حتى اليوم للذي جاءنا بالقرآن الكريم. ماذا لو قرَّر الغرب تطبيق هذا الحديث - الغير نبوي بالتأكيد - بإعدام أبنائه الذين يدخلون في الإسلام ؟ حرية المعتقد قد استقرَّت في ضمير العالَم و نحن ما زِلنا في خصومة مع حرية المعتقد… و لكِنْ يجدر التنبيه إلى أنني في هذا الصدد لا أتحدث عن حرية الإزدراء جهاراً نهاراً للأديان و سبِّ معتقدات أو مقدسات أي كان، أرفض هذا الفعل الذي هو بعيد كل البُعد عن الفكر النقدي الصحيح، و لأنه يُضر بالتعايش السِّلمي بين مختلف مكوِّنات المجتمعات البشرية يَجِب على الدول التصدي له و معاقبتُه مِن دون قتل أي كان

 

نبيُّنا رحمة مهداة و قد أُرسل لِيُتمِّم مكارم الأخلاق، كما ورد في الحديث الشريف الذي يحفظه الكبار و الصغار عندنا، لا لِيُشَرِّع لبني البشر مثل هذه الإستباحة للأرواح. وظيفته هي التذكير و النصحُ و التبليغ عن الله، الله الذي ما خوَّلَه أي سلطة على ضمائر العباد : "فَذكِّر إنما أنت مُذكِّر، لستَ عليهم بِمُسَيْطِر" (قرآن). إلى متى ستظل هذه الأمة المنتحرة يومياً أسيرة ثقافة الموت، التي أنتجها عندنا و يرعاها و يُدافع عنها بضراوة قتلة العقل ؟ فإنْ كانت أيادي السفاحين و القتلة بالدماء مُلوَّثة، فإنَّ عقول و ضمائر آبائهم الروحيين أكثرُ تلوُّثاً.

 

أكيداً تركنا نبيُّنا على محجَّة بيضاء ليلُها كنهارها و فعلاً نحن مدينون له لِلأبد، و لكنَّ شيوخ الدجل و الخبل أحالوا نهارَنا ليلاً أخشى أن نقبع في ظلامه لِلأبد : لا مفر لِمشايخِنا و سائر مرجعياتِنا مِن مواجهة هذه الحقيقة، فتلك هي الخطوة الأولى للوصول إلى رؤية هادية تعينُنا على تَجاوُز أزمات الحاضر و تنير لهذه الأمة الشاردة في بيداء الحياة طريق المستقبل، لا مفر لنا جميعاً مِن مباشرة أو مواصلة البحث عن الحقيقة

 


 "إذا لم تَكُن، أيها المسلم، في قلبك و فكرك و عملك، رحمة للعالَمين، فأنت على طريق غير طريق رسولك محمد - صلَّى الله عليه و سلَّم -، فقد قال له ربه الذي أرسله : 'و ما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالَمين'." (عصام العطار)

 

"الناس الذين يستحِقُّون لقب الإنسان هم أولئك الذين يَنذِرون أنفسَهم و حياتهم مِن أجل تحطيم القيود التي تَغُلُّ عقل الإنسان." (مكسيم غوركي)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز