كمال محمد
kamel.mebarkia@rwth-aachen.de
Blog Contributor since:
19 June 2020



Arab Times Blogs
همس الخواطر...أُنسُ الأدب

...هي الحياة نفسها في كل دير و دائرة في كل حين ونادرة ، حوادث جمة  مسترسلة، ماكثة وعابرة، يمنى و يسرى  متناثرة. صوَّرْتَها نثرا أم شعرا، رواية كانت أم خاطرة. إنها الحياة تدب دبيب النمل و تطن طنين النحل و تموج موج البحر و تهب عصف الريح في مهب الرياح شتاءا و صيفا ماطرة. تشرق و تغرب بياضَ النهار و سوادَ الليل الشمسُ دهرا مشعة زاهرة. و الناس  في خضم هذا يا هذا، معادن  تسمو ذهبا و أدبا  أو تهوي قصديرا  و صدأ،  حاكم و محكوم يتناوبون العِدا، قلّ ما رضيتِ الرعية و ساد المُلكُ بالعدل أمدا. هذه الحياة، يوم لك منها السلام و الرخاء و الهناء و آخر منها عليك الوجل و البؤس و الشقاء. إن كان حتفي شعري أو نثري فلا أبالي، فالأيام تسري و شعري و نثري أدبٌ نحو جدولي يجري. زاخر جدولي بصنوف الآداب لا كلّ من الوصف و ما تعب ،خيال، إحساس، شعور، و تعبيريخالج وجداني و يدغدغ أشجاني، يا له من جدول رحب متلالأ المعاني!

لست أدري إن كان شعري و نثري تعبيري و تحبيري أم أنا تعبيرُ شعري و نثري يفطراني فأنشقُ من بين سطوري مرتفعا خضِرا نحو الشمائل شقان. و الجدول يسقيهم و يسقيني أملا و أماني أرْجوها و ترجوني خالية من الأحزان. أنا الجدول أسقي الناس أدبا سواقيه خريرُها نغْمُ الأشعار ، مُنْسابة تتحدر نحو القوافي ماثلة في كل الأمصار وعلى أطلال الدياريطلع كل قاصٍ و راوي، و مائه عذب رقراق يُبْلِغُ كل ضمآن بليغَ المعاني، بديعَ النظم لؤلؤا مرصّعا على مرجاني. و إن مررت بجدولي الصافي ليلا آنست من فيض نورالبدر يسطع من على سطح مائه يشق ظلامي فيُؤنسُ وحشتي بالليل و يبدد خوفي من الهجران. واعشوشبت بذور الحُب بجنبتيه شعرا و نثرا بعد التفتق  فكانت زنابق في نيسان. وأغدقَ عليَ كُتباً تهفو بها نفسي زهواً زهوراً من الريحان، فأغتبطت ورحت أضم كُتبي نحو قلبي يخفق من الوجد مبتهجا هل غادر الأدب من كل نِسْيان؟ من يُؤنس تلك الكتب غزاها الغبار فاصفرّت أوراقها من على الرفوف جاثمة كأنْ لم يسقيها جدولي قط حينا من الزمان؟ أه ما فعل بها الحدثان؟ كئيبة كتبي لا مؤنس لها تشكو الوحدة في خزانة من حديد بارد أوخشب رطب تحنو إلى أياد دافئة تغمرها بالعطف والحنان. من يعتاد الجداول -يسقي بعضها البعض- فلا تنضب، يليط سواقيها  الغوادي و الرواحي بالحروف رنانة فلا تتبعض من التشقق أوالفلتان.   

صاح في الأجواء جدولي أين الشعراء أين الأدباء؟ أين أصحاب النخوة و الفداء؟ أجف مدادهم أم مُزّقت جرائدهم قبل الخط فكانت عذراء وحالت جرداء؟ قد نضب مائي يا حسرتاه على أدبي سال في غير حرث ،  كيف يُرجى ملْءهُ من غير مداد؟ هل سُكب على الصلد فلا طِلال و لا غِلال؟ كفروه فغُلَّ هل يُغفر للجاحدين و يطالهم غفران. صاح و صاح حتى جف ريقه و بحّ صوته ليت السامعَ أذناه عينان تقرآنه قرآن فتأنسان. ليت الصدى يُسمِع الصمان: ما نضب الجدول و الكَلِمُ يسقيه كتيبة تتدافع تترا في نظم الفرسان، مطايهم و هم تُسقى من جداول المعاني مَعينُها زلال يطرب الحادي و النوق سيّان، هل بلغ الركبان؟ من لا جدول له يمسي مصفرّا ذبلان و الجدول يصبح فارغا حيران إذا ما بات  من دون خط أقلام الفرسان .

أنا الأدب و الأدب أنا، لا مؤنس لي غير أشعاري و أنثاري ويروق لي جدول أنصاري، كها لا يقبل الأدب غير أنسي أو أنس خلاني من الأدباء و لو غابت بشائرهم عن  أنظاري. ليس هناك إنسان بلا أدب و لا أدب من غير إنسان، فكلاهما إنسان لا يملكان غير يتآنسان. الأدب يا صحبي إذا آنسته إنفطرتَ إنسان.

-------

أنا : و كل الأنا (شعري، نثري، جدولي،...) تعود كلها على الإنسان.

الجدول:  يرمزللأدب يملؤه الأدباء (الفرسان) فيسقي الإنسان أدبا.

كها: بمعنى كذالك هي اشعاري و انثاري مثلها لا يقبل الأدب...أو كمثلها.

يليط: انظر حديث رجل يلوط إبله بمعنى يصلح الحوض حتى لا يضيع الماء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز